الشيخ السبحاني
503
بحوث في الملل والنحل
وأمّا القول الثالث فهو عبارة عن سعة إرادته لكلِّ ظاهرة إمكانيّة ، لكن لا بمعنى كونه سبحانه هو المصدر المباشر لكلِّ شيء ، بل بمعنى أنّه تعلّقت إرادته على صدور كلِّ فعل عن فاعله بما فيه من الخصوصيّات ، فلو صدر عنه بلا هذه الخصوصيّات لزم تخلّف مراده عن إرادته ، فتعلّقت إرادته سبحانه على كون النار مصدراً للحرارة بلا علم وشعور ، بل عن جبر واضطرار . كما تعلّقت إرادته على صدور فعل الإنسان عنه باختيار ذاتيّ وحرّيّة فطريّة . وباختصار ، شاء أن يكون الإنسان مختاراً في فعله وعمله . فإذا اختار وفعل فقد فعل بإرادته ، كما فعل بإرادة اللَّه سبحانه . وليست الإرادة الأزليّة منافية لحرّيّته واختياره ، وقد أوضحنا ذلك في أبحاثنا الكلاميّة « 1 » . فلاحظ . وهناك كلام للشهيد الأجلّ محمّد بن مكّي ( المتوفى عام 786 ه ) عند بحثه عن تضافر الأخبار على أنّ صلة الأرحام تزيد في العمر ، يقرب ممّا ذكرناه ، قال قدس سره : « أُشكل هذا بأنّ المقدّرات في الأزل ، والمكتوبات في اللّوح المحفوظ لا تتغيّر بالزيادة والنقصان لاستحالة خلاف معلوم اللَّه تعالى ، وقد سبق العلم بوجود كلِّ ممكن أراد وجوده وبعدم كلِّ ممكن أراد بقاءه على حالة العدم أو إعدامه بعد إيجاده ، فكيف
--> ( 1 ) . لاحظ : الإلهيات على ضوء الكتاب والسنة والعقل : 632 ، والجزء الثاني من هذه الموسوعة : 352 ، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام .